الأربعاء، 14 مارس، 2012

صموئيل هنتنغتون .... صراع الحضارات





من هو صموئيل هنتنغتون :
هو أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد، ويعتبر هنتغتون من أبرز المفكرين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة الأمريكية، يشكل إلى جانب مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين الاستراتيجيين  طبقة مؤثرة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بحيث ينتمون إلى مراكز إستراتيجية تعتمد عليها وزارة الدفاع والخارجية في رسم سياستها الخارجية والداخلية، ومن أبرز هؤلاء المفكر فرانسيس فوكوياما الذي سبقه بنظرية أثارت حولها مدادا كثيرا هينهاية التاريخ” .
كانت البداية لإخراج هذه الفكرة )صدام الحضارات) إلى الوجود  سنة 1993 عندما نشر الدكتور هنتغتون مقالة في مجلة الخارجية الأمريكية
 foreign appairs.summer ) ) بعنوان : صدام الحضارات،  وبعد أن أثارت هذه المقالة العديد من ردود الأفعال المؤيدة والمعارضة للأفكار الواردة فيها، والصيت الذي حظيت به هذه المقالة, قرر مؤلفها أن يوسعها إلى كتاب يقول هنتنغتون: أنه تجاوز المثالب والسلبيات التي تعاني منها تلك المقالة. وفي هذا الكتاب يقول المؤلف بأنه يقدم العديد من البراهين والأدلة التي تم التطرق إليها بشكل يسير في المقالة المذكورة.

الأطروحة الأساسية للنظرية
الأطروحة الأساسية لهذا الكتاب هي أن الثقافة والهوية الثقافية, والتي في أوسع معانيها الهوية الحضارية, هي التي تشكل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة. ويتكون الكتاب من خمسة أجزاء تحتوي على 12 فصل وان هذه الأجزاء الخمسة من الكتاب هي عبارة عن توسع وتطوير نتائج ذلك الافتراض الرئيسي. وقد شغلت قضية صدام الحضارات الجماهير والمثقفين منذ أكثر من 10 سنوات, وكانت الساحة مليئة بالردود على هذه النظرية, مما أدى  ببعض المفكرين إلى محاولة تقديم بديل عن هذه الفكرة, وذلك بالمناداة بفكرةحوار الحضاراتعوضصدام الحضارات“. وكان من أهم المروجين لهذه الفكرة البديلة الرئيس الإيراني محمد خاتمي, والمفكر الفرنسي المشهور روجي جارودي, وقد كان الرد قويا من طرف العديد من المفكرين العرب و المسلمين, باعتبار أن ما ورد في النظرية يستهدف بالدرجة الأولى العالم المتخلف ومنه العالم الإسلامي والعربي, ويتضح خدمة هذه النظرية الإديولوجية الغربية انطلاقا من المنطلقين الأساسيين لهذه النظرية:

1-  الغرب والآخر:
يقول هنتنغتون : إن أكثر الصراعات انتشارا وأهمية وخطورة لن تكون بين طبقات اجتماعية غنية وفقيرة, أو جماعات أخرى محددة على أسس اقتصادية, ولكن بين شعوب تنتمي إلى هويات ثقافية مختلفة
لأن عالم ما بعد الحرب الباردة حسب هذا الخطاب عالم يتكون من سبع أو ثمان حضارات, التماثلات والاختلافات الثقافية تشكل المصالح والتناقضات والتجمعات بين الدول, إن أكثر الدول أهمية في العالم يأتي بشكل أساسي من حضارات مختلفة. وبالتالي خلق هذه الفوارق بين الدول والثقافات, سيؤدي بالغرب القوي إلى محاولة فرض نفسه كقوة لايمكن قهرها ودائما و إعداد الشعب على تقبل فكرة نحن والآخر, التي تؤدي دائما إلى الصراع المستمر.

2-  تكريس الهيمنة الغربية:

أطروحة صدام الحضارات تتحدث عن تكريس الهيمنة الغربية وتدعو للدفاع عن مصالح الحضارة الغربية على أساس النفط والأسواق. وبالتالي اتخاذ كل ما يتطلب للتعامل مع الآخر: الحضارات غير الغربية وخصوصا الحضارة الإسلامية والحضارة الكونفوشيوسية أو الصينية, و أي تقدم تحققه هاتان الحضارات يكون على حساب الحضارة الغربية.
وما حالة احتلال العراق علينا ببعيدة فقد قادت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفا أسقط النظام القائم في بغداد, وليس غريبا على إدارة يمينية مسيحية مثل إدارة بوش أن تقوم بمثل هذه العمليات, وتصبح التطبيق الأمثل للأفكار التي نادى بها هنتغتون, وقد شاهدنا جميعا أن قوة التحالف الانجلوساكسوني تركت متاحف بغداد ودور الآثار فيها أمام الناهبين والمهربين, الذي نتج عنه فقدان العراق لذاكرة تاريخية تصل إلى سبعة الآلاف وغيرها من منابع النفط العراقي. ومن تم نستنتج أن الحضارة الغربية التي أحست بقدوم الحضارات الأخرى, دفعها هذا الإحساس إلى فعل شيء تظهر فيه أنها الأقوى في العالم ولا يستطيع أحد أن يقف أمامها مهما كان انتماؤه.

منطلقات خطاب صدام الحضارات

تتحدد هذه المنطلقات في أربعة هي :

أولا- الديانة هي المعيار للتمييز بين الحضارات: 
لأن الدين حسب هنتغتون هو الخاصية الأساس للتعريف بالحضارة.

ثانيا - حتمية صراع الحضارات: 
يقول هنتنغتون : إن الصراع بين القوى العظمى قد حل محله صدام الحضارات
ويضيف: الدول القومية تظل الوحدات الرئيسية القائمة في الشؤون الدولية, وسلوكها يتشكل كما في الماضي بسعيها نحو القوة والثروة, ولكن أيضا يتشكل بالاختيارات والاختلافات الثقافية
ومع تزايد قوة بعض الدول وثقتها في نفسها, فإن المجتمعات غير الغربية تؤكد بشكل متزايد قيمها الثقافية وترفض تلك المفروضة عليها من الغرب. ويعتقد هنتكتون أن هذا العامل سيؤدي إلى الصراع بين القوة التي ستقوى ويكبر حجمها, ويرد القائلين بنظرية حوار الحضارات بأن هذا العالم سيكون مساعدًا لتلاقح الحضارات وتحاورها وتداخلها, ومن تم تبادل التجارب والاستفادة المتبادلة بين جميع الأطراف المكونين لحضارات مختلفة. وقد حاول هنتكتون أن يأتي بمجموعة من الأمثلة التي حاول أن يقنعنا بها, كي نؤمن بحتمية الصراع الحضاري, وبالتالي قرأ التاريخ في الاتجاه الذي يؤدي إلى تكريس صورة الصراع  والصدام والتطاحن.

ثالثا - الإسلام هو العدو الأول :
الصراعات المقبلة ستكون بين الحضارتين الغربية من جهة والحضارة الإسلامية والكونفوشيوسية أو الصينية من الجهة الأخرى
  هذا العداء أبرزه هنتغتون في قوله “أربعة عشر قرنا… أثبتت أن العلاقات بين الإسلام والمسيحية كانت غالبًا عاصفة. كل واحد كان نقيضا للآخر. ويستدل هنا بمقولة لبرنارد لويس :
الإسلام الحضارة الوحيدة التي وضعت استمرار الغرب في شك, ولقد فعلت ذلك مرتين على الأقل القسطنطينية 1453 ومحاصرة فيينا في 1529
وهو ما يستدعي هنا التدخل من طرف القائلين بحوار الحضارات, إلى الرد بأن الإسلام دين لا يسعى إلى محو الديانات الأخرى أو النيل من معتنقيها, ويعطون الكثير من الشواهد حول تعايش الديانات مع الإسلام في فترات معينة من التاريخ. بل يذهب بعضهم إلى أن خطاب القرآن واضح في منح الآخر غير المسلم كل الحق في أن يحافظ على حياته وعرضه وماله دون تعدية أو تجاوز من طرف المسلمين.
ويعتبرون تصنيف الإسلام كعدو أول للغرب غرضه المواجهة الدائمة للإسلام والمسلمين وإبقاء الغرب دائما رهين فكرة العدو الجديد, فبعد أن انتهى الاتحاد السوفياتي, لابد من خلق عدو منافس آخر ليبقى كل شيء على أهبة الاستعداد من العسكر إلى الاقتصاد والسياسة والإعلام.
ولكي يقنعنا صموئيل بأطروحة العدو الأول, سرد مجموعة من الأماكن التي تعاني من صراعات بين المسلمين وغير المسلمين : البوسنة – الشيشان – أرمينيا ألبانيا … وغيرها من الدول التي اعتبر أن المسلمين هم المسؤولون عما يقع فيها.

رابعا - الحضارة تشكل الاقتصاد :
 يقول هنتنغتون  : الحضارة تشكل كل شيء في حياتنا فهي التي تحدد المواقف السياسية المختلفة, وهي التي تحدد سياستنا وحتى نظامنا السياسي 
 ويضيف أن الهوية الثقافية هي التي تحدد علاقات الدول بعضها ببعض قائلافي الحرب الباردة الدول كانت ذات علاقة بالقوتين العظميين كدول متحالفة, أو تابعة, أو عميلة, أو محايدة, أو غير منحازة في عالم ما بعد الحرب الباردة, الدول تتعدد علاقتها بالحضارة كدول أعضاء, دول أساسية, دول وحيدة, دول متصدعة, دول مفتتة أو ممزقة مثل القبائل والأمم . فالحضارات لها بنية سياسية. الدولة العضو هي دولة تتحد هويتها كليا ثقافيا بحضارة معينة. مثل مصر بالحضارة العربية الإسلامية. وإيطاليا بالحضارة الأوربية الغربية. ويزيد إن: الحضارة تشكل شكل التعاون الاقتصادي بين الدول ومدى نجاح المنظمات الاقتصادية وفشلها, بل لا يمكن أن يكون هناك اندماج اقتصادي ناجح إلا في إطار الحضارة الواحدة. وهكذا صنف السياسات الاقتصادية والمنظمات الاقتصادية بل والعلاقات الاقتصادية الناجحة وفقا للهوية الحضارية, واعتبر هنتغتون أن المنظمات ذات الحضارات المتعددة. ويلاحظ هنا أن هنتغتون تجاهل دراسة العوامل الأخرى التي كانت وراء هذا النجاح أو الفشل والذي ربما تكــــون الثقافة  ضمن العوامل ولكن ليس هي العامل الأساس . وتاريخيا فإن ما يطرحه هنتنغتون يتناقض مع وصف بروديل للتجارة بين الحضارة الغربية المسيحية والحضارة الإسلامية عبر المتوسط في القرن السادس عشر. وهنا نورد نصا لبروديل يرد على هنتغنتون حيث يقول « كان الناس يمضون جيئة وذهابا, غير مبالين بالحدود والدول والعقائد, كانوا أكثر وعيا بضرورات الشحن بالسفن والتجارة ومخاطر الحرب والقرصنة, وفرص التواطؤ أو الخيانة التي تتيحها الظروف» بروديل متحدثا عن فترة سقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين وغرناطة في أيدي الإسبان.


هل الأديان تنتج الصراع؟

الذي تجاهله هنتنغتون هو أن الأديان لا تصنع الحرب. ولكن استخدام هذه الأديان من قبل بعض الناس هو الذي يصنع الحروب, والذي تجاهله أيضا هو أن الحضارة, أية حضارة والحضارة السلامية ضمن هذه الحضارات, ليست عدوانية بطبيعتها وأكثر من ذلك ليس صحيحا أن حضارة الإسلام تحمل معها ولا داخلها عدوانية لأي حضارة أخرى. إلا إذا وظفت هذه الحضارة أو الثقافة من قبل دول وجماعات لتبرير سياساتها المختلفة. فالذي يراه مثلا هنتكتون صراعا حضاريا بين أرمينيا و أذربيجان ليس هو كذلك, فإن الحكومة الإيرانية انحازت إلى أرمينيا المسيحية, أين الهوية الحضارية في هذا الموقف؟
ويوجد فرق كبير بين أن نقول إن هناك صراعا دينيا أو قولنا هناك صراع استخدم الدين فيه استخداما مقصودا. فالشارع اليوغوسلافي مثلا يمقت التفرقة على أساس الدين والدليل واضح حيث نجد ضمن 33 مليون نسمة, سبعة ملايين زيجة مختلطة بين الأعراق والديانات, مما ينتج عنه عائلات متعددة الأعراق والأديان, ولم يكن الدين في الصراع اليوغوسلافي إلا الصورة الواضحة والبينة من الصراع.
وهنا نستنتج أن الدين لايضع الصراع, ولكن استغلال الإنسان للدين والتعامل معه هو الذي يؤدي إلى خلق صراع بين أبناء الديانات المختلفة.

خلاصة
من خلال مجموعة من الدراسات والتحليلات التي تناولت نظرية صدام الحضارات وتفكيك مكوناته و منطلقاته وآلياته, نلاحظ أنه يعكس بكل وضوح مركزية الحضارة الغربية. بمعنى الانحياز ثقافيا وقيميا للحضارة الغربية ومصالحها الإستراتيجية السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافة, ولا شيء غير المصالح الغربية, فمن البداية جعل هنتنغتون صدام الحضارات حتمية لا مفر منها, ومن ثم فهي ستشكل مستقبلنا وهويتنا وكل شيء في حياتنا وإمعانا في تأكيد ذلك فسر التاريخ وإعادة ترتيب أحداته حتى يستطيع حشر “مرحلة صدام الحضارات ” في مراحل التطور التاريخي, وجعل للإسلام حدودا دامية, والإسلام ولع بالموت منذ ظهوره, والقرون الماضية في تاريخ الإسلام كلها صراع وعنف مع أطرافه الخارجية وبين أجزائه الداخلية, وحتى يقنعنا بأن المسلمين يتحدون الغرب اختار أدلة وأمثلة وأحداثا من هنا وهناك بطريقة انتقائية وفسرها بطريقة تتلاءم مع نتائج مسبقة, مما جعل أفكاره تتكرر, وتحليلاته تتناقض.



 رحيل صاحب نظرية صدام الحضارات "صموئيل هنتنغتون" في صمت

لعبت قناة فوكس نيوز الإخبارية بالولايات المتحدة الأمريكية  والقناة الإخبارية الجزيرة القطرية دورا هاما في نشر أطروحة "صراع الحضارات"  سواء بالولايات المتحدة الأمريكية او بالبلدان العربية. وادوارد سعيد ينعت نظرية" صراع الحضارات" بنظرية "صراع الجهل"
رحل الباحث الأمريكي صاحب نظرية صدام الحضارات "صموئيل هنتغتون"في نهاية شهر ديسمبر2008 ،دون اهتمام  إعلامي بغيابه.رغم ان نظريته شغلت الساحة الفكرية  بالعالم خلال العقدين الأخيرين بل إن مدرسته في السياسة الخارجية كان لها تأثير واضح على إدارة سياسة بوش الابن.وتعدد أتباعها مع تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 وقام الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وزعيم القاعدة أسامة بن لادن بتسويق هذه النظرية من خلال سلوكهما ورؤيتهما معا للعالم  وصبهما للزيت على النار في كل مناطق التوتر سواء بفلسطين، أفغانستان و العراق .ودعم هذا التوجه نائبيهما ديك تشيني وأيمن الظواهري .كما أن سيطرة المحافظين الجدد على البيت الأبيض وسيادة خطاب المواجهة بين الخير والشر بالولايات المتحدة الأمريكية وخطاب العنف والجهاد بالشرق الأوسط ، كانت كلها عوامل جعلتنا نعتقد بصراع الحضارات بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي . كما أن قناة فوكس نيوز الإخبارية بالولايات المتحدة الأمريكية  والقناة الإخبارية الجزيرة القطرية لعبتا دورا هاما في نشر هذه الأطروحة السياسية  سواء بالولايات المتحدة الأمريكية أو بالبلدان العربية.
إضافة إلى استغلال زعيم الكيان الصهيوني ارييل شارون هذه الوضعية المأساوية بالعالم ليزج بالقضية الفلسطينية في هذا المنحى ويغتال كل امال السلام والحوار بالمنطقة، مما جعل كل الجهود التي بذلت منذ اوسلو تذهب أدراج الرياح.و جعل السلام هدفا بعيد المنال منذ المذبحة الأخيرة  التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني الأعزل بغزة.وموقف الإعلام الغربي والذي كان في غالبيته معادي للفلسطينيين ومؤيد للاحتلال والعدوان الإسرائيلي هو سلوك يكرس إيديولوجية صراع الحضارات بمعنى أن الصراع هو ثقافي بين الغرب المسيحي اليهودي والشرق المسلم.
وقد برزت نظرية  صدام الحضارات ل"صموئيل هنتنغتون"  من خلال مقال كتبه  عام 1993 حمل نفس   العنوان  بمجلة "فوريين افيرز" الشهيرة ، الذي وسعه في كتاب نشره عام 1996 بالولايات المتحدة الأمريكية ،وترجم إلى الفرنسية سنة 1997. وهو رد على كتاب احد تلامذته فرانسيس فوكوياما ،الذي كتب سنوات قبل ذلك كتاب سماه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"وملخص أطروحته هو انه بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي فان الأمل الوحيد للإنسانية هو الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق  وان التطور نحو الحداثة لا بديل عنه . لكن أطروحة هنيغتون تسير عكس ذلك وتتنبأ بصراع الحضارات وتعتبر  هزيمة الاتحاد السوفييتي واندثاره وضعت حدا لجميع الخلافات الإيديولوجية التي سادت العالم ، لكنها لم تنه التاريخ• فالثقافة، وليس السياسة والاقتصاد، هي التي ستحكم العالم•
وقد عدد ثماني ثقافات هي الغالبة في عالم اليوم والتي يمكن أن تدخل في صراعات بينها وهي الثقافة  الغربية، الثقافة الكنفوشيوسية، الثقافة اليابانية، الثقافة الإسلامية، الثقافة الهندوسية، الثقافة السلافية الأرثوذكسية، الثقافة الأمريكية اللاتينية، وربما الإفريقية (على اعتبار انه لم يكن متأكدا من أن إفريقيا هي فعلا في طور الحضارة .
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ونهاية الحرب الباردة، أعلن "فرنسيس فوكوياما" أطروحته بشأن "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" التي عبرت عن اعتقاده في قيام عالم متناسق منذ ذلك الحدث يقوم على قاعدة الديمقراطية الغربية بمعناها الفكري والسياسي، مما يمثل نهاية للتاريخ كما كان، أي أن النقطة الأخيرة من نقاط التطور الإيديولوجي للبشرية وتصميم الليبرالية الديمقراطية الغربية كشكل أخير من أشكال إدارة المجتمعات البشرية•وهو اعتقاد سائد لدى اغلب الغربيين الذين يحاولون تصدير شكل ديمقراطيتهم الى باقي العالم على أساس أنها تصلح لباقي الشعوب وأنها شان كوني حسب أطروحة فوكو ياما.
ردا على هذه الأطروحة، كتب "صموئيل هنتنغتون" نظريته  "صدام الحضارات"• وتمثل كل واحدة من هذه الثقافات، حسب أطروحة هنتنغتون، أنظمة قيم مختلفة يتجسد كل نظام منها في دين "يشكل على الأرجح القوة المركزية الدافعة والمحركة للشعوب"•
أما الخط الفاصل الرئيس بين هذه الثقافات ، فيمر بين "الغرب وبقية العالم"، لأن الغرب وحده يرفع "قيم" الفردية والليبرالية والدستور وحقوق الإنسان من مساواة وحرية وسيادة القانون والديمقراطية، والأسواق الحرة"• 
وتبعا لذلك، على صناع السياسة الخارجية في الغرب (المركز الحضاري الغربي، خاصة الولايات المتحدة) أن ينتبهوا إلى هذه الحقيقة، وان يحددوا ويخططوا لسياستهم الخارجية وفقا لها بناء على الخط الفاصل، الذي ذكر قبل قليل، إذا أرادوا استمرار السيادة الحضارية والسياسية للغرب في مواجهة الحضارات المنافسة- يقول هينغتون – "وخصوصا الأكثر خطورة بينها، وهي الإسلام والكونفوشيوسية اللتان تشكلان عند اتحادهما خطرا على قلب الحضارة•"
طبعا صامويل هنتغتون في أطروحته هذه لم يقل بنهاية الدولة الوطنية المركزية بل يعتبر أنها  ستستمر كفاعل أساسي على مستوى العلاقات الدولية ، لكن الصراعات المركزية والشاملة سوف تدور بين مجموعات تنتمي الى حضارات مختلفة وصراع الحضارات هو الذي سيطغى على الصراعات الدولية والخط الفاصل بين الحضارات سيكون هو خط التماس في المعارك المستقبلة يضيف هنتغتون.وهو يعتقد ان الحضارات تتحد حسب ديانتها الأصلية بمعنى المسيحية،الإسلام والبوذية إلى آخره.
لقد أثارت أطروحة هنتغتون موجة واسعة من البحوث والندوات والردود والتعليقات في مختلف أرجاء العالم بما في ذلك الوطن العربي، وهي زاخرة بالرفض والنقد وحتى التشكيك بالنوايا، وبالمقابل طرح مفهوم "الحوار بين الحضارات" تصديا لأفكار هنتغتون بعد أن استشعرت أوساط واسعة في العالم خطورة ما يترتب عليها من نتائج على مستقبل العلاقات الدولية والبشرية عبر العالم.
إن أطروحة هنتغتون هي مبنية على ثقافة وأحكام الكنيسة الكاثوليكية الكلاسيكية التي تنظر الى الإسلام  وحضارته كمنافس وعدو منذ الحروب الصليبية حتى الحروب الاستعمارية في القرن التاسع عشر.من هذا المنطلق فان هنتغتون عكس أفكار سائدة وأحكام قيمة كانت موجودة لكن هذه المرة حول الدولة الوطنية التي لها نموذج ثقافي.
لكن أحسن رد على هذه الأطروحة كان للمفكر الفلسطيني ادوارد سعيد الذي أجاب بمقال سماه "صراع  الجهل" ونشرته اليومية الباريسية لوموند والذي فند فيه أطروحة صمويل هنيغتون " صراع الحضارات"وبين فيه كيف أن مختلف الشعوب والحضارات هي مرتبطة ببعضها البعض وكل واحدة تابعة للأخرى لتحقيق  العديد من حاجياتها.حسب الراحل ادوارد سعيد.
هذا بالاضافة ان نظرية صدام الحضارات تعكس بصفة عامة نظرية المركزية الأوربية الكلاسيكية التي تعتبر الغرب وحضارته مركز العالم وبقية حضارات العالم هي هامش ليتطور عليه السير على طريق المركز بل يطالب الغرب بمراقبة الحضارات التي تشكل خطرا عليه من اجل احتوائها والسيطرة عليها.لأن هنتغتون في كتابه صور الغرب على انه مسيج ومحاصر من طرف حضارات تكن له العداء وتريد القضاء عليه. وجاءت تفجيرات 11 من سبتمبر 2001 لتجعله يتشبث بأطروحته أكثر خاصة انه في كتابه ،في الفصل الأخير ،يتصور "الإسلاميين" يحصلون على السلاح النووي.
هذا الكتاب خلق نقاشا واسعا وترجم الى حوالي أربعين لغة ونظمت حوله مئات الندوات عبر العالم خاصة بأوربا والعالم العربي .وكان هدف هذه اللقاءات مناقشة  هذه النظرية التي وجدت لها أرضية خصبة في العقدين الأخيرين في منطقتنا  خصوصا بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي الذي كان يوفر الاستقرار للعديد من المناطق بالعالم .وهو الدور الذي اختفى مع نهايته.بل إن بؤر التوتر العديدة التي يعرفها العالم العربي والإسلامي ،لأسباب جيوستراتيجية واقتصادية وليست دينية ،لتوفره على ثلثي احتياط الطاقة العالمي زادت من تقوية إحساس صراع الحضارات هذا.
وحتى على مستوى المفاهيم، مصطلح "الإسلام" و"الغرب" ليست نافعة في الاستعمال لتحديد الأمور: ألا يوجد عرب مسيحيون؟ ولماذا نتحدث عن الصرب، الكروات من جهة  والمسلمين من جهة أخرى ، في حين يوجد المسلمون بين مختلف هذه الإثنيات؟ألا يوجد  صرب مسلمون وكروات مسلمون؟"
"وحتى الإسلام نفسه، فهو متعدد حسب المدارس والبلدان التي يطبق بها• وعند اعتماد مقاربة محدودة لهذا التنوع الغني لا يمكننا  فهم المنطقة وتنوعها •
" أوربا تعرفت على العالم الإسلامي فقط في القرن 19• وفي الوقت الذي كان فيه العالم العربي يمر من مرحلة صعبة في تاريخه تميزت بالركود والتخلف • في حين ان العالم الإسلامي عرف فترات كبرى للفكر والحضارة يجب إزالة الغبار عليها• والإسلام ساهم في تطوير الحضارة الغربية والعالمية من خلال اللغة العربية التي نقلت مجموعة من المفاهيم المهمة اليوم (الجبر، الكيمياء•••) من خلال أعمال الترجمة التي تمت خصوصا بالأندلس•"
هل الديانة الإسلامية تشكل عاملا للقطيعة؟ الثقافة الإسلامية تعترف بمكانة كبيرة لباقي الثقافات• والبحر المتوسط كان فضاء مفضلا للتبادل بين الثقافات لعدة قرون• وحسب العديد من المتدخلين فإن أصل القطيعة التي يتم الإحساس بها أو الحقيقة هي عدم معرفة الثقافات• "

ابير فيدرين وزير خارجية فرنسا السابق في الحكومة الاشتراكية لعب هو الأخر  على دحض نظرية هنيغتون ولخص فيدرين نقاش  منتدى باريس بالقول :
 ـ أن نظرية صراع الحضارات ليس لها أي أساس صحيح، وان الاصطدام في العالم هو لأسباب أخرى غير الأسباب الحضارية والثقافية •
ـ والنظرية الثانية هي أن صراع الحضارات غير ممكن لأن الكل يصبو نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن التاريخ يعلمنا أن الحداثة ليست حكرا على الحضارة الغربية المسيحية•وهو طرح يقوي نظرية فرانسيس فوكوياما الذي يعتبر أن الديمقراطية والحداثة هي من سينتصر.
طبعا مات الباحث الأمريكي صاحب نظرية صدام الحضارات "صموئيل هنتغتون"في نهاية شهر ديسمبر،دون اهتمام  العالم بغيابه.رغم أن نظريته شغلت النقاش الفكري بالعالم خلال العقدين الأخيرين وفي فترة وجيزة بعد موته غادر جورج بوش البيت الأبيض وترك أمريكا غارقة في أزمة اقتصادية خطيرة لم يشهدها العالم منذ 1929 من القرن الماضي،كما ترك أمريكا غارقة في العديد من الحروب بالعراق وأفغانستان.و ترك أمريكا كبلد مكروه في  العالم العربي والإسلامي. كما ان الإسرائيليون استغلوا هذه الإدارة وتساهلها لإطلاق رصاصة الرحمة على مسار السلام وتقتيل الفلسطينيين مما ابعد إمكانية السلام في الظروف الحالية مع الفلسطينيين والعرب.
لقد ترك هنتغتون العالم في وضعية سوداء هي اقرب لصراع الحضارات وسيادة الكراهية وللاستقرار والتهديد بالعنف والإرهاب بكل أرجاء العالم وخاصة بالشرق الأوسط بشكل لم يشهده العالم حتى أثناء الحرب الباردة . وصامويل هنتغتون قال بنفسه "الأحداث التي يعرفها العالم اليوم تقوي أطروحتي حول صراع الحضارات وأفضل أن يحدث العكس ."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق